ابن حزم

390

رسائل ابن حزم الأندلسي

وان كنت مالك الأرض كلها ولا خليفة عليك - وهذا بعيد جداً في الإمكان ، فما نعلم أحداً ملك معمور الأرض كلها على قلته وضيق مساحته ( 1 ) بالإضافة إلى غامرها ( 2 ) فكيف إذا أضيف إلى الفلك المحيط - فتفكر فيما قال ابن السماك ( 3 ) للرشيد ، وقد دعا بحضرته بقدح فيه ماء ليشربه فقال له : يا أمير المؤمنين فلو منعت هذه الشربة بكم كنت ترضى أن تبتاعها فقال له الرشيد بملكي كله . قال : يا أمير المؤمنين ، فلو منعت من خروجها منك ، بكم كنت ترضى تفتدي من ذلك قال : بملكي كله . فقال : يا أمير المؤمنين أتغتبط بملك لا يساوي بولة ولا شربة ماء وصدق ابن السماك رحمه الله . وان كنت ملك المسلمين كلهم ، فاعلم أن ملك السودان وهو رجل أسود ( 4 ) مكشوف العورة جاهل ، يملك أوسع من ملكك . فان قلت أخذته بحق ، فلعمري ما أخذته بحق إذ استعملت فيه رذيلة العجب ، وإذا لم تعدل فيه فاستحي من حالك ، فهي حالة لا حالة يجب العجب فيها . ( ز ) وان أعجبت بمالك ، فهذه أسوأ مراتب العجب فانظر في كل ساقط خسيس فهو أغنى منك ، فلا تغتبط بحالة يفوقك فيها من ذكرت . واعلم أن عجبك بالمال حمق لأنه أحجار لا تنتفع بها الا بان تخرجها عن ملكك بنفقتها في وجهها فقط . والمال ايضاً غاد ورائح ( 5 ) ، وربما زال

--> ( 1 ) ص : محاسنه . ( 2 ) ص : عامرها ؛ والغامر من الأرض والدور خلاف العامر . ( 3 ) هو محمد بن صبيح مولي بن عجل ، كوفي ، قدم بغداد زمن هارون الرشيد ، وكان يعظه ، وبعد اقامته مدة ببغداد عاد إلى الكوفة وتوفي بها سنة 183 ( صفة الصفوة 3 : 105 وتاريخ بغداد رقم 2895 ) وموعظته التي أوردها ابن حزم مذكورة في العقد 3 : 164 . ( 4 ) م : أسود رذل . ( 5 ) هو من قول حاتم الطائي : أماوي إن المال غاد ورائح . . . ويبقى من المرء الأحاديث والذكر